الاثنين، 20 مايو، 2013

النقد الأدبي 2

النقد الأدبي 2
(1)
طبيعة الأدب و وظيفته
 عمد صاحبا كتاب "نظرية الأدب" رينيه ويليك، وأوستن وارين ، في الفصلين الثاني و الثالث من كتابهما إلى إبراز طبيعة الأدب و وظيفته عبر التاريخ , وقد بدأ الكتاب بطرح سؤال بسيط ليس من السهل أن نعثر على جواب عنه ، وهو ما طبيعة الأدب ؟   وللإجابة عن هذا السؤال يقدم الكتاب مجموعة متعددة من المعايير المستخدمة في تحديد طبيعة الأدب، ومن ثم نقدها , وهذه المعايير هي :  
 1-محاولة بعض الباحثين توسيع الدراسة الأدبية حتى تتطابق مع تاريخ الحضارة  , لكن مطابقة الأدب  مع تاريخ الحضارة إنكار للحقل النوعي والمناهج النوعية لدراسة الأدبية.
   2-قصر الأدب على الكتب العظيمة التي تشتهر بشكلها الأدبي مهما كان موضوعها ,فالشعر الغنائي ، والدراما، والرواية، تختار على أسس جمالية , أما الكتب الأخرى فتنقى لسموها الفكري ،فضلا عن قيمة جمالية من نوع أضيق.  
 3-توظيف ثنائية "الفكر و الشعور" في التمييز بين لغة العلم ، ولغة الأدب: وقد أشار الكتاب إلى أن هذه الثنائية ليست كافية , فالأدب يحتوي على فكر ,كما أن اللغة الانفعالية لا تقتصر على الأدب ,ومع ذلك فاللغة العلمية المثالية هي لغة "دلالية" محضة تهدف إلى التطابق بين الإشارة والمدلول ، في حين أن اللغة الأدبية تكثر فيها الالتباسات , والجناس , والتصنيفات اللاعقلية  ، و الاعتباطية , وتتخللها الأحداث التاريخية ,و الذكريات ، و التداعيات ,كما أن لها جانبها التعبيري ,فهي تنقل لهجة المتحدث  ، و موقفه ,و تسعى إلى التأثير في موقف القارئ ,والأهم من ذلك كله أنها تشدد على الإشارة نفسها، أي: الرمز الصوتي للكلمة ، وإن كان أقل أهمية في الرواية منه في الشعر الغنائي.  
 4- التمييز بين اللغة اليومية واللغة الأدبية بوصفه معيارا لمعرفة ماهية الأدب : ولا يخلو هذا المعيار من بعض المشاكل ، فاللغة اليومية ليست مفهوما مطردا ، فهي تضم العامية ، واللغة التجارية ،واللغة الرسمية ، واللغة الدينية ، فضلا عن أن اللغة اليومية لا تقتصر على الاتصال ، ولا تخلو من الوظيفة التعبيرية، وعلى ذلك يمكن التفريق بين اللغة الأدبية واللغة اليومية على أساس كمي ، فاللغة الأدبية تتعمد وتكثر من توظيف الظواهر التعبيرية والجمالية .
  5- التمييز البراجماتي أوالعملي بين الأدب و غير الأدب :فكل ما يقنعنا بعمل خارجي محدد نرفض أن نعده شعرا ، ونقول: إنه خطابة، لذلك علينا أن نقصر الأدب على الأعمال التي تغلب عليها الوظيفة الجمالية, وإن كنا نعترف بوجود عناصر جمالية أسلوبية في أعمال ذات غرض غير جمالي كالمواعظ والأطروحات الفلسفية ..الخ.  
 6-الصورة الفنية: إن اللغة الشعرية مشحونة بالتصوير , ومع ذلك فالمجاز ليس ضروريا للنصوص القصصية , وهناك قصائد جيدة خالية من الصور , وقد لا يقترح الكاتب القصصي صورة بصرية , وإنما يركز على الحالات العقلية , والدوافع , والرغبات، والمواقف، فضلا عن أن المجاز كامن في معظم كلامنا اليومي , وتنشأ بعض المصطلحات بواسطة التحول المجازي , إلا أن الشعر يحيي هذه السمة المجازية للغة ، ويجعلنا على وعي بها .  
 
     ويخلص الكتاب بعد عرض هذه المعايير إلى أن كل واحد منها يصف جانبا من جوانب العمل الأدبي، ولا يكفي واحد منها لتحديد طبيعة الأدب, لأن العمل الأدبي ليس موضوعا بسيطا، بل هو تنظيم معقد بدرجة عالية , و ذو سمة متراكبة مع تعدد في المعاني و العلاقات.
 
      وينتقل الكتاب بعد تحديد طبيعة الأدب إلى التساؤل عن وظيفته , ويشير إلى حالة التلازم بين طبيعة الأدب ووظيفته , فاستعمال الشعر ينتج عن وظيفته , ويكتسب استعمالا ثانويا حين تضمر وظيفته الرئيسية.     
 
   وبناء على التلازم بين طبيعة الأدب ووظيفته يخلص الكتاب إلى أن الشعر "ممتع و مفيد" , وكل صفة من هاتين الصفتين إذا استخدمت بمفردها مثلت محورا من سوء فهمنا لوظيفة الشعر , فحين يؤدي العمل الأدبي وظيفته تندمج فيه الفائدة و المتعة , ومتعة الأدب متعة رفيعة , لأنها متعة بأرفع نوع من الفعالية أي: بالتأمل غير الاكتسابي , كما أن نفع الأدب نفع مفعم بالإمتاع ، وهو بذلك يختلف عن الدرس الذي يجب تعلمه , كما أن جديته هي جدية الإحساس بالجمال .     
 
   وإذا كان الشعر مفيدا ، فهذا يعني أنه يقدم نوعا من المعرفة , يختلف عن معارف العلوم التي تستعمل الأسلوب النظري , لكونه يستعمل الأسلوب التمثيلي , فالفنان يتبصر بالحقيقة، و يمارس جهدا واعيا، أو غير واع، للتأثير في القراء ، ليشاركوه في موقفه تجاه الحياة , و لا شك أن للأدب وظائف أخرى، كالتطهير أي أنه يخلصنا من انفعالاتنا , كما أن بعض الأدب مهيج , ولكن تظل الوظيفة الرئيسية للأدب أن يكون أمينا لطبيعته.  
(2)
فروع الدراسة الأدبية
     يفرق رينيه ويليك في كتابه "مفاهيم نقدية" بين ثلاثة فروع من فروع الدراسة الأدبية هي :
1-دراسة المبادئ و المعايير الأدبية "الجنس الأدبي ,تطور الأدب ".
 2-دراسة الأعمال الأدبية ذاتها بمعزل عن غيرها.
 3-دراسة الأعمال الأدبية بوصفها جزءا من أعمال مرتبة حسب تسلسلها الزمني       
    و أطلق ويليك على دراسة مبادئ الأدب ، وأصنافه، ومعاييره، مصطلح "النظرية الأدبية" ، وهو أدق من مصطلح "علم الأدب"، أو" البحث الأدبي" ، أو "فن الشعر  " ، كما أطلق على دراسة الأعمال الأدبية ذاتها بمعزل عن غيرها المتسمة بثبات أسلوب التناول مصطلح "النقد الأدبي ", و خص الفرع الثالث من الدراسة بمصطلح "التاريخ الأدبي ".  
   و دعا ويليك إلى ضرورة تعاون هذه الأنماط الثلاثة من أنماط الدراسة على الرغم من قيام محاولات كثيرة هدفت إلى تعظيم شأن هذا الفرع أو ذاك من فروع الدراسة الأدبية على حساب الفرعين الآخرين.
 
تعظيم النظرية الأدبية على حساب النقد الأدبي وتاريخ الأدب
  أ-فعلى سبيل  المثال كان لطغيان الفلسفة في ألمانيا أثر في إعلاء شأن النظرية الأدبية، وانحطاط النقد الذي استحوذت عليه الصحافة السياسية خلال ثلاثينيات القرن التاسع عشر ,فالناقد يخدم أغراضا مؤقتة، وهو بمكان الوسيط أو السكرتير أو الخادم للجمهور , و حاول بعض النقاد في ألمانيا تغيير هذه الصورة السلبية من أمثال" فيرنر ملخ" فالنقد الأدبي لديه فن قائم بذاته، و هو نوع من الأنواع الأدبية، ومعياره الوحيد هو الشعور الشخصي , فكل ما هو فيه ينسب إلينا , على خلاف التاريخ الأدبي الذي ينتمي إلى حقبة تاريخية , ولا يقوم إلا بالنسبة إلى تلك الحقبة  
 
 ب-لم يقتصر الهجوم على النقد التطبيقي  في ألمانيا , وإنما امتد إلى القارة الأمريكية الشمالية على يد "فراي" في كتابه"تشريح النقد".وهو كتاب تنتظمه فكرة رئيسية تتمثل في أن المناهج النقدية المتعددة تتكامل لإنشاء نظرية نقدية عامة تتجاوز مرحلة تحليل النصوص إلى الكشف عن المبادئ البنيوية التي تحكم عملية تطور الأدب , فهو لا يضع برنامجا جديدا للنقد، بل يقترح زاوية جديدة، ننظر من خلالها إلى البرامج الموجودة، وهي برامج صحيحة بحد ذاتها , فالكتاب لا  يهاجم أيا من مناهج النقد , وإنما يهاجم الحدود القائمة بينها، لأنها تحصر الناقد في منهج نقدي واحد , وإن إزالة هذه الحدود ستؤدي إلى جعل النقد أوعى بصلاته مع غيره من العلوم ، ويؤمن فراي بأن النقد النموذجي , أي الذي يدرس النماذج العليا في الأدب ,له دور مركزي في عملية إزالة هذه الحدود .
 
لا شك أن إيمان فراي بأهمية النقد التطبيقي كان راسخا , فقد ناقش رأي كثير من الفنانين الذين ينظرون إلى الناقد على أنه كائن متطفل , في حين يرى فراي أن النقد قادر على الكلام، بينما الفنون خرساء ,كما أنه كيان من الفكر و المعرفة، له وجوده المستقل عن الفن الذي يتناوله ,فضلا عن كون الناقد أفضل حكما على قيمة القصيدة من مبدعها .  
و نبه فراي إلى أن استقلال مجال النقد الأدبي لا يعني أنه خارج الأدب، فعلى الناقد أن يقرأ الأدب ، ثم يقوم باستعراض استقرائي لحقله , ويجعل مبادئه النقدية تتشكل من معرفته بذلك الحقل ,ولا يمكن أن يتوقف النقد عند مرحلة الاستقراء ، فعيون الأدب ليست إطارا للنقد , وإنما هي ظواهر يجب تفسيرها ضمن إطار فكري , وعلى النقد كذلك أن يكتشف الأشكال المنظمة لإطاره الفكري ,أي المبادئ البنيوية التي تحكم عملية تطور الأدب .     
من خلال هذا العرض الموجز لمنهجية فراي في كتابه تشريح النقد , يتضح لنا مدى الإجحاف الذي لاقاه فراي من قبل ويليك حين اتهمه بأنه "حاول إقامة النظرية الأدبية باعتبارها الشيء الوحيد الذي يستحق الإقامة , وأنه حاول طرد النقد التطبيقي أي نقد الأعمال الأدبية ذاتها من دائرة الدراسة الأدبية " فمن الواضح أن كلا من فراي و ويليك يرى أن النظريات و المبادئ و المعايير لا تنشأ في فراغ , فالنظرية تستمد ، و تدعم ، و يمثل لها، من الأعمال الأدبية .
  الجدل بين النقاد الجدد و مؤرخي الأدب  
ويمكن الحديث عن معركة نقدية بين النقاد الجدد و النقاد التاريخيين ، فقد زعم النقاد التاريخيون أن الناقد الجديد ينكر أن العمل الفني يمكن أن تلقى عليه المعرفة التاريخية أي ضوء , في حين أن النقاد الجدد يقولون : إن العمل الأدبي بناء لفظي يتصف بقدر من التماسك والاكتمال , وإن الدراسة الأدبية غالبا ما أمست غير معنية بهذا المعنى الكلي , و إنها غالبا ما قصرت اهتمامها على جمع المعلومات الخارجية عن سيرة الكاتب , و الظروف الاجتماعية ، و الخلفيات التاريخية ... الخ  ,لكن هذا لا يعني إنكار أهمية المعلومات التاريخية لعملية التفسير الشعري , فالكلمات لها تاريخ  , و الأساليب تنحدر من تراث , و القصائد تشير إلى وقائع معاصرة.     
 
أما النقاد التاريخيون فلا يقبل كثير منهم هذه المصالحة المتمثلة بالاعتراف بالقيمة الثانوية للمعلومات التاريخية , لأن العمل الأدبي لديهم لا يمكن تفسيره إلا في ضوء التاريخ , و أن الجهل بالتاريخ يشوه قراءة العمل , و ضربوا أمثلة عديدة تؤكد وجهة نظرهم .
 
   و كان رد النقاد الجدد على لسان "امبسن" حين قال :إن مشكلة القيمة الشعرية لا يحلها  أي قدر من دراسة الخلفيات , و القضية ليست قضية الصراع بين التاريخ و النقد , بل هي الأسئلة التجريبية حول صحة بعض التفسيرات أو خطئها .
 
   ولم يقتصر النقد الموجه إلى التاريخ الأدبي على عدم قدرته على حل مشكلة القيمة الشعرية , و إنما امتد ليشمل الحديث عن المبالغة في قيمة التفاصيل المتعلقة بتراجم الأشخاص , و إلى الاستخفاف بقيم العمل الفني , مما أدى إلى افتقاد كامل لمعايير التقويم  .  
 
 حاول ويليك أن يحل هذه المشكلة بعبارة موجزة يقول فيها : إن على الدارس أن يكون ناقدا حتى يكون مؤرخا . فالدراسة الأدبية تختلف عن الدراسة التاريخية بكونها تتناول المعالم لا الوثائق ,أي أن موضوع الباحث الأدبي هو العمل الفني , و لا يحتاج إلى الاعتماد على الوثائق إلا في دراسته الهامشية ، فضلا عن أن الدارس الأدبي تواجهه مشكلة خاصة هي مشكلة القيمة .
 
و كان المهرب الوحيد من مشكلة القيمة الفنية تجنب إصدار الأحكام , و الدعوة إلى تبني معايير الماضي "أي أن علينا إعادة صياغة قيم الحقبة التاريخية التي ندرسها , لاستخدامها , ثم لننظر في أعمال تلك الحقبة "، والمعيار الوحيد لاستعادة الأحكام النقدية التي سادت في الماضي هو النجاح الذي صادفه العمل الأدبي في زمانه.
 
 و مع ذلك لا يمكن إعادة صياغة هذه المعايير صياغة يقينية، كما لا يمكننا أن نرضى بمعايير الماضي , و هي غير ملزمة لنا , حتى لو تمكنا من إعادة صياغتها , و وجدنا القاسم المشترك لاختلافها , كما أننا لا نستطيع التخلي عن خصوصيتنا .  
 
التقليل من شأن الدراسات الأدبية عموما بفروعها الثلاثة
و هناك من ينكر إمكانية الموضوعية في الدراسات الأدبية عموما , و غالبا ما يتحركون في منطقة الفن القريب من العظمة حيث تكثر مجادلات النقاد , لأن التقويم يتم لاعتبارات متعددة , فكلما زاد تعقيد العمل الفني تعددت القيم  و البنى التي يجسدها , و غدا تفسيره أصعب , لأن التفسيرات تتصف بالدرجة نفسها  من الصحة , و لكن المنكرين يتفادون مشكلة الشعر الرديء , و التفسيرات المتسمة بالشطط , لذا لا بد من الاعتراف بوجود موجبات جمالية و أخلاقية , مثلما أن هناك حقائق علمية ، و أن تعلمنا للأدب يقوم على الموجبات الجمالية حتى لو كنا نشعر أننا أقل التزاما بها , وأكثر ترددا في الكشف عن هذه الافتراضات.  
 
و خلاصة القول إننا بحاجة إلى تشييد نظرية أدبية تستمد بعض أفكارها من نقد الأعمال الفنية ذاتها , و تستمد بعضها الآخر من التاريخ الأدبي , وبذلك تظل فروع الدراسة الأدبية مستقلة استقلالا لا ينفي التكامل.
 
(3)
المناهج النقدية المعرفية
سعى ديفيد ديتشس في الباب الثالث من كتاب " مناهج النقد الأدبي " إلى إبراز العلاقة بين النقد الأدبي و ما يتصل به من ضروب المعرفة ، أو بعبارة أخرى عمد إلى عرض مجموعة من المناهج النقدية ، و هي مناهج استعانت بمعارف العلوم الأخرى في دراسة الظاهرة الأدبية , و كانت نقطة انطلاقه هي طرح السؤال التالي : ما العلاقة بين التقويم النقدي و المعارف غير الأدبية ؟
 
 و للإجابة عن هذا السؤال فرق ديتشس بين ثلاثة أنواع من المعرفة غير الأدبية و هي : 1- المعرفة التاريخية . 2-المعرفة النفسية .  3- المعرفة الاجتماعية .   و على هذا يكون لدينا ثلاثة مناهج علمية معرفية هي 1-المنهج التاريخي . 2- المنهج النفسي . 3-المنهج الاجتماعي .  
 
 أولا المنهج التاريخي : 
 و يتسم هذا المنهج بسمات بارزة هي :  
 أ-العصور و الحركات: عمل النقاد التاريخيون على تقسيم الأدب إلى حركات و عصور أدبية , و فاضلوا بينها , وقد سجل ديتشس اعتراضا على هذا التقسيم  لأن تغير الذوق أدى إلى اختلاف الآراء حول هذه المفاضلات .
 
  ب-سير الأدباء : أشار ديتشس إلى مبالغة النقاد التاريخيين في سرد أخبار الأدباء ، و كان لهذه المبالغة أثر معاكس تمثل في ثورة بعض النقاد على المنهج التاريخي،  وقولهم إن التاريخ و السيرة أداتان لا  حاجة للناقد بهما، لذا ظهرت الدعوة إلى تحليل الأثر الأدبي معزولا عن أي قرينه .
 
و تمثل اعتراض ديتشس على هذا الملمح من ملامح المنهج التاريخي من خلال طرح السؤال التالي :هل الأدب نسخة عن حياة الأديب ؟ و في إجابته عن هذا السؤال يلحظ مجموعة من القضايا :
  أ- الأثر الأدبي قد يجسد حلم الأديب لا واقع حياته .
 ب- وقد يكون القناع الذي يخفي وراءه شخصه الحقيقي .
 ج-أو قد يكون صورة من الحياة التي يريد الأديب أن يهرب من نطاقها .
 د-فضلا عن أن الأديب قد يجرب الحياة تجربة مباينة من خلال فنه ، فيرى التجارب الواقعية من حيث فائدتها للأدب ، و خلص بعد هذا كله إلى أن الأثر الأدبي ليس وثيقة من وثائق حياة صاحبه .  
 
    ولا يكتفي ديتشس بهذا النفي , و إنما يعزز موقفه بحقيقة لا يمكن تجاهلها ، و هي أنه لا يمكن لأي شواهد من السيرة أن تغير التقويم النقدي لنص ما , و معظم المؤمنين بأهمية السيرة تتركز دراستهم على الشعر الغنائي .
  
    و في المقابل برى ديتشس أن دراسة السيرة – و إن كانت قليلة العون في تعيين  قيمة النص –مهمة و ممتعة , و أنه من المهم معرفة الأفكار، و التقاليد في عصر الأديب ، لأن المعرفة اللغوية معرفة تاريخية , فلا يستطيع أي ناقد تجاهل المعرفة التاريخية، حتى لو لم يع ذلك،  فالنقد المثمر ينتقل بطلاقة بين نظرات تاريخية، و أخرى جمالية .  
   ج- تحقيق النصوص : لا يقتصر عمل النقاد التاريخيين على دراسة الحركات و العصور و السيرة , و إنما عنوا بتحقيق النصوص ،و تطورت على أيديهم طرائق التحقيق , و لم تعد آليات التحقيق مقتصرة على النصوص القديمة ، و مما لا شك فيه أن تحقيق النص يخدم النقد , فإقامة النص شرط سابق للقيام بالتحليل النقدي و التقويم , و أشار ديتشس إلى أن الوعي الجمالي لدى المحقق  يسهم في تحقيق النص و إن لم يع ذلك .  
 
  ثانيا المنهج النفسي :
يتساءل ديتشس عن قدرة  الدراسات النفسية  على إصدار حكم بجودة النص الأدبي ، أو بعبارة أخرى :هل يمتلك علم النفس نظرية في القيمة الأدبية ؟ و للإجابة عن هذا السؤال يبحث عن المجالات التي دخل علم النفس من خلالها في نطاق النقد و هي :
 
1-    البحث عن عملية الخلق و الإبداع :
 يشير ديتشس إلى أن الاهتمام بالناحية النفسية في الخلق الفني يرجع إلى أفلاطون , و قد عني بإبراز تجليات هذه الفكرة لدى النقاد النفسيين المحدثين من أمثال :
أ‌-        ورد زورث : و يرى أن تعريف الأدب نابع من أصوله النفسية , فالخصائص النفسية لدى الشاعر تتمثل في اختلافها في الدرجة لا في النوع عن الناس الآخرين , و لكن ماذا عن ماهية اللغة الشعرية ؟  إن اللغة الشعرية كما يراها ورد زورث لا تختلف عن لغة الناس الواقعيين , و يعلق ديتشس على هذا الرأي بأنه رأي ساذج , فالشاعر على خلاف الناس يستعمل اللغة بوصفها أداة فنية ,كما أن موضوع الفن لا يتحكم في الأداة .
 
 و مع ذلك حاول ورد زورث التوفيق بين كون لغة الشعر واقعية من جهة , و موزونة و مقفاة من جهة أخرى , فرأى أن استعمال القافية و الوزن في الشعر يرجع إلى أنهما يساعدان على تحقيق التوازن و السرور.  
ب‌-    فرويد : يرى فرويد أن الفنان مريض مصاب بالعصاب،  و أن الفن نتاج لهذا المرض . و قد أبدى ديتشس اعتراضه على هذا التفسير لعملية الإبداع الفني ، وذلك من خلال إيراده لاعتراضات "ليونل ترلنج" على هذا التفسير , و تتلخص في النقاط الآتية :  
·        الأدباء أكثر عرضة للتفسير النفسي دون غيرهم من المبدعين ،لأنهم أكثر إفصاحا عن أنفسهم .
·        إن ربط إبداع الفنان بالعصاب يستلزم تطبيق المعيار نفسه على الفعاليات الفكرية الأخرى كالفيزياء و الأحياء و الرياضيات ... الخ .
·        يمكن إرجاع بعض حالات الإخفاق إلى العصاب , و بذلك يكون جل المجتمع مصابا بالعصاب على وفق هذه النظرية.  
 
ت‌-    يونج : وجد يونج في الآثار الأدبية صورا عليا و أصداء لأساطير عريقة تتردد في حياة البشر , و خلص إلى أن هذه الصور و الرموز متولدة من منبع نفسي عميق متأصل قي العقل البشري يعرف باللاوعي الجمعي ,  وهي منطقة أكثر عمقا من الوعي، و اللاوعي في الفرد , لذا فهي ليست في متناول يده .
 
  و لم يبد ديتشس اعتراضا على هذه الفكرة , و إنما رفض تعميمها على الشعر كله , فالنماذج العليا لا تظهر بالدرجة نفسها لدى كل الشعراء , ومع ذلك يؤكد بأن الصور العليا تعمل عملها حين لا يميزها القارئ , فهي تعمل بطريقة غير مباشرة , و هي مظهر لكل شعر ناجح .
 
2-    تحليل شخصية الأديب:
  يرى ديتشس أن تطبيق القواعد النفسية على حالات خاصة أجدى من النظريات العامة التي تتحدث عن أصل الفن , و من تلك الحالات الخاصة تحليل شخصية الأديب ، و يتم ذلك بطرق عدة :
  أ‌-  دراسة سيرة الأديب و جمع كل الوثائق المتعلقة به ,و من ثم البحث عن أثر ذلك كله في أعماله الأدبية :
و من أهم النقاد  الذين اتبعوا هذه الطريقة "ادمند ولسن" فقد عني بسرد الوقائع الضرورية المستمدة من السيرة، ثم الاستنتاج منها حول نفسية الأديب , و من ثم تطبيق النتائج على آثار أدبية معينة، و اهتم بدراسة شعور الأديب نحو طبقته ، و الآثار التي انطبعت في نفسه من الكفاح الاقتصادي .  
 
   و لا يكتفي ديتشس بعرض طريقة ادمند ولسن  في تحليل شخصية الأديب , فقد أبدى مجموعة من الانتقادات لهذه الطريقة تتلخص في أن ما يحاول الأديب أن يقوله لا يهم الناقد , فالناقد يهتم بما وفق الأديب في قوله , فضلا عن أن العودة إلى السيرة لمعرفة ما أراد الأديب قوله دليل على فشل العمل .
 ب-التنقل بين السيرة و الآثار الأدبية للكشف عن الأولى بالثانية و العكس: 
و لكن يلحظ أن هذا النوع من الدراسات صلته بالنقد التقويمي هزيلة , و إن كانت تسهم في رؤية ماهية الآثار الأدبية بوضوح من حيث هي نتاج الخيال الإنساني أثناء عمله تحت ظروف معينة .
 
ث‌-البدء بالآثار عودة إلى صاحبها لاستخلاص النتائج حول حياة الأديب وحالته الذهنية :
 و قد وصف ديتشس هذا النوع من النقد بأنه نقد محترف , و في الوقت نفسه ينبه إلى خطر هذا النوع من الدراسات يكمن في تجاهلها العنصر الصناعي في الفن , وافتراضها أن الأديب يعمل في تلقائية .
  وتشترك الطرق السابقة في ميلها لاختيار الشعر الغنائي عامة
 
3-    تطبيق النظريات النفسية في دراسة شخصيات العمل الأدبي :
 و يرى أصحاب هذا الاتجاه أن مهمة الأدب تتمثل في تصوير حياة حية للطبيعة الإنسانية ,من خلال الكشف لبعض المواقف الإنسانية , وعلى ذلك يمكن استغلال النظريات النفسية الحديثة في تفسير العمل الأدبي كسلوك الشخصيات مهما بدا مضطربا .  
 
  ثالثا: المنهج الاجتماعي :      
    يعرف ديتشس علم الاجتماع بأنه علم يدرس كيان المجتمع في زمن معين، و يبحث في نماذج السلوك الناجمة عن ذلك الكيان , ومن ثم يتساءل :هل علم الاجتماع علم معياري أو وصفي ؟   و يخلص إلى أن علم الاجتماع و إن كان علما وصفيا فإن الدارس لا يستطيع إلا أن يأخذ موقفا من المعرفة التي يقدمها .
 
   و قد عني مجموعة من النقاد بتوظيف هذه المعرفة الاجتماعية في دراساتهم النقدية من خلال دراسة الأصول الاجتماعية للأديب ، و الآثار التي تركتها العوامل الاجتماعية في أدبه .
 
  و يقرر ديتشس بأن علم الاجتماع يستطيع أن يقول لنا لماذا كتب الأديب ما كتب , و لكنه لا يستطيع أن يخبرنا عن القيمة الأدبية لما كتب . فضلا عن أنه لا يمكن أن نحكم على قيمة العمل الأدبي حسب ا لقيمة الاجتماعية التي حققها , وإلا ما السبيل إلى تقييم الأعمال الأدبية التي نشأت في ظل ظروف اجتماعية سيئة ؟ فمن غير المقبول تبني رأي النقاد الماركسيين الذين رأوا أن الظروف  غير المرغوب فيها تنتج آثارا أدبية نابية , و إن كان بعضهم قد دعوا إلى الاكتفاء بتفسير أسباب اختيار الأدباء لمواقفهم دون تقييم أعمالهم .
 
  لقد فسر النقد الماركسي الأدب بالنظر إلى أصوله الاجتماعية , وعلل نزعة الأديب بالنظر إلى موقعه في طبقة ما , و من ثم حكم على النص أو الأديب حسب الميل الذي يظهره مؤيدا وجهة نظر الناقد في القضايا السياسية و الاقتصادية .
 
  و يضيف ديتشس إلى الفائدة السابقة فائدة أخرى تتمثل في قيام النقد الاجتماعي بوظيفة وصفية من خلال إلقاء الضوء على التقاليد السائدة مما يعزز الفهم، و يساعد على التقييم، فضلا عن إسهامه في تفسير الظواهر التي يلحظها الناقد الأدبي ، كما يلفت الانتباه إلى الطريقة التي انعكست فيها التغيرات الاجتماعية على الآثار الأدبية .  
 
 و خلاصة القول : إننا بحاجة إلى عون المؤرخ الاجتماعي لأننا إذا أردنا أن نقيم الأشياء علينا أن نعرفها على حقيقتها ،لكن علينا بعد معرفة ماهية العمل ، أن نطبق معيارا ملائما لطبيعة تلك الماهية.  
 
 وتمتاز الدراسات الاجتماعية للأدب بطولها النسبي ، و ذلك لإسهامها في وصف الأوضاع الاجتماعية ، و من ثم تتبع الآثار الأدبية مع الإشارة إلى تلك الأوضاع دوما , كما أن هذا النوع من النقد يمكن أن يطبق على أنواع معينة من الآثار النثرية : كالقصة في القرنين الثامن عشر و التاسع عشر , لكنه أقل فائدة في دراسة الشعر الغنائي، و قصص القرن العشرين , و لكن هذا لا ينفي تطبيق الطريقة الاجتماعية في دراسة الشعر من قبل الماركسيين و غيرهم .    
 
رابعا : المنهج المقارن :  
-                              مع نهاية القرن التاسع عشر ظهر منهج جديد يسعى لقراءة الأدب في علاقاته الخارجية .
-                              اختلف الدارسون في تسمية هذا المنهج " الأدب المقارن ، تاريخ الأدب المقارن ، علم الأدب المقارن ، النقد الأدبي المقارن "
-                              إن اختلاف الدارسين في تسمية هذا المنهج لا يقلل من دوره المعرفي المهم
-                              ازدياد أهمية هذا العلم بعد ثورة الاتصالات ، مما دعم العلاقة بين الآداب القومية المختلفة    
 نشأة الأدب المقارن
النشأة التاريخية للأدب المقارن في فرنسا
1-                العامل السياسي :
 -حرص ملوك فرنسا على جعل باريس العاصمة الثقافية لأوروبا
- امتداد أثر الثورة الفرنسية إلى مناهج دراسة الأدب من خلال طرح أفكار جديدة مثل : " الحركة والتنوع ، الاهتمام بالإنسان ، الإيمان بالحقائق المتعددة"
 - ظهور تيارين في فرنسا :
 أ-تيار قومي يرى وجوب الاقتصار على الآداب الفرنسية ، ويرفض الاهتمام بالتأثيرات الأجنبية .
ب- تيار عالمي يرى أن الآداب الأوروبية نشأت عن عمليات تفاعل واسعة قامت على التأثر والتأثير ، ومن أهم أعلامه : " مدام دي ستايل "
2-                العامل الفلسفي :
 -نشوء الدراسات المقارنة في فرنسا متأثرة بالفلسفة الوضعية الساعية إلى وضع قوانين ثابتة للأدب كالعلوم الطبيعية ، ومن أهم النقاد البارزين في هذا المجال " سانت بيف " 1869 م / هيبولت تين 1893 م / برونتير 1906 م
3-                 العامل الاستعماري :
 - اقتصرت الدراسات المقارنة في فرنسا في بعدها التطبيقي على الآداب الأوروبية فضلا عن حرص فرنسا على خلق ثقافة فرانكفونية في مستعمراتها
4-                 مدام دي ستايل 1766- 1817 م :
 - تتلخص جهود مدام دي ستايل في نشأة الأدب المقارن من خلال كتابها      " ألمانيا " الذي دعت فيه إلى تجاوز النزعة القومية إلى النزعة العالمية
 - كما دعت إلى نشوء أدب رومانسي متأثرة بفلاسفة الألمان .
  - و كانت تلجأ في دراستها الأدبية إلى ضرب الأمثلة بالآداب الأخرى .
5-                 سانت بيف و هيبوليت تين .
 - أسهم كل من بيف و تين في دفع عجلة الدراسات المقارنة من خلال إعجابها بمناهج البحث في العلوم التجريبية من خلال البحث عن الظروف الخاصة بكل جنس في هذه الآداب العالمية .
6-                 أهم الأعلام الذين أرسوا قواعد الدراسات المقارنة
* باول فان تيجم و كتابه " الأدب المقارن " سنة 1931 م
* فرانسو غويار و كتابه " الأدب المقارن " سنة 1951 م 
 * رينيه ايتامبل و مقالته " أزمة الأدب المقارن "
 
نشأة الأدب المقارن في أمريكا " الثلث الأخير من القرن التاسع عشر
 " - يشكل المنهج الأمريكي رد فعل للمنهج الفرنسي من حيث دعوته إلى الإيمان بتعدد الثقافات، و احترامها، و الابتعاد عن النزعة التاريخية .
- إن هذه الدراسات تبلورت في ظل مبدأين :
أ – مبدأ أخلاقي يعكس طبيعة أمة تتشكل من عناصر قومية متعددة تحرص أن تظل تنظر إلى الثقافات نظرة احترام .
 ب – مبدأ فكري يقوم على حرية قراءة التجارب الإبداعية، و تعرفها، و ما تحويه من قيم .  
نشأة الأدب المقارن في الاتحاد السوفياتي و أوروبا الشرقية
 - ارتبطت نشأة الدراسات المقارنة في الاتحاد السوفياتي " السابق " و أوروبا الشرقية بالفلسفة الماركسية , و كانت إشكالاتها مرتبطة بهذه الرؤية و ناجمة عنها .
- تأثرت هذه النشأة بالفلسفة الماركسية ذات الطبيعة الشمولية. 
 - تأخر ظهور الدراسات المقارنة في الاتحاد السوفياتي،لأنه كان ينظر إلى الأدب المقارن على أنه مرتبط بالثقافة الغربية ، مما يجعله خطرا على وحدة الاتحاد .
 - نهاية الخمسينات هي مرحلة جديدة أعادت الاعتبار للرواد في ميدان الدراسة المقارنة .
نشأة الأدب المقارن في الوطن العربي
-  سجل المؤرخ " عبد الرحمن الجبرتي " في " عجائب الآثار في التراجم والأخبار " بداية المواجهة بين الشرق المسلم والغرب من خلال حملة نابليون في صورتيها: ( التقدم العلمي ، التدمير العسكري )
- عمل مجموعة من الكتاب على تسجيل الفجوة الحضارية بين الغرب و الشرق  من أمثال :
 أ- رفاعة الطهطاوي في " تخليص الإبريز في تلخيص باريز "
ب- أحمد فارس الشدياق في " كشف المخبا عن فنون أوروبا "
ج- علي مبارك في " علم الدين"  في الجوانب السياسية والتشريعية والاجتماعية والأدبية كالموازنات بين خصائص الشعر العربي والشعر الأوروبي ، والحديث عن فنون أدبية جديدة كالمسرح.
-       تعد سنة 1904م البداية الحقيقية لتبلور الدراسات المقارنة في الوطن العربي لصدور ثلاثة كتب :
1.    نشر " سليمان البستاني " ترجمته لإلياذة هوميروس التي تحوي مقدمة فيها الكثير من النظرات المقارنة مثل :  
·        المقارنة بين الأدب الملحمي عند العرب ومثيله عند الأوروبيين · 
·               //       //   الشعر الجاهلي والشعر اليوناني ·       
·         //          //   ابن الرومي وهوميروس ·     
·        رد التشابه بين الشعر العربي والشعر اليوناني إلى تشابه في التطور الاجتماعي .
2.    نشر " قسطاكي الحمصي " كتابه " منهل الوراد في علم الانتقاد " وهو كتاب يشير إلى بداية تأثير مناهج النقد الأدبي عند الغربيين في النقد الأدبي الحديث، الجزء الثالث منه دراسة مقارنة تطبيقية بين رسالة الغفران لأبي العلاء المعري ، والكوميديا الإلهية لدانتي .
3.    نشر محمد روحي الخالدي كتابه " تاريخ علم الأدب عند الافرنج والعرب وفيكتور هوجو " ، ويلحظ ما يلي : 
 *  استخدام مصطلح " علم الأدب " له علاقة بالأدب المقارن من المنظور الفرنسي .
*  حرص في كتابه على السياق التاريخي والاجتماعي الذي تتولد فيه عمليات التأثر والتأثير .
* استخدم مصطلحات من قبيل " المقابلة " و " الاقتباس "
* تحدث عن تأثير الشعر العربي في الشعر الأوروبي وخصوصا  "التروبادور"
* تحدث عن تأثير القصص العربي في نشوء الرواية الأوروبية
* ناقش نشوء الاتجاهات والمدارس الأدبية ، وأهم أعلامها ، وما قدموه من إبداع .
 
  -   ظهر مصطلح " الأدب المقارن " للمرة الأولى على صفحات مجلة "الرسالة" ابتداء من عام 1935م ، حيث نشر " فخري أبو السعود " 45 مقالة تحت هذا العنوان " في الأدب المقارن "  ، ووقف عند موضوعات كبرى في الأدبين العربي والإنجليزي .
 -    تأخر ظهور هذا المصطلح في حقل الدراسات الجامعية إلى عام 1946م حيث صار الأدب المقارن فرعا من قسم سمي :" قسم الأدب المقارن والنقد والبلاغة " في دار العلوم .
-   إرسال الجامعة المصرية مجموعة من المبعوثين لدراسة الأدب المقارن في جامعة السوربون على يدي العالم"جان ماري كاري" من أمثال :( محمد غنيمي هلال ، أنور لوقا ، حسن التوني ، عطية عامر .)
-   شكلت كتابات "محمد غنيمي هلال" منذ صدور كتابه الرائد عام 1953م " الأدب المقارن " الريادة المنهجية في حقل الدراسات المقارنة في الوطن العربي ، ويقع الكتاب في 469صفحة ، ويبدو فيه متأثرا بالمدرسة الفرنسية ، وكانت وفاته المبكرة عام 1968م   ·  
مصطلحات أساسية في الأدب المقارن
أولا : الأدب المقارن : هو الاهتمام بدراسة العلاقات بين أي أدب وطني مكتوب بلغة قومية و أدب في غير تلك اللغة القومية , و بدراسة الصلات التي تنشأ بين أدباء يتشابهون في نتاجاتهم الأدبية , و يتباينون في اللغة و الحضارة ، و الأعراق ، و القوميات ،على أن يكون ثمة تأثر و تأثير بواحد أو أكثر من وسائط التأثير المقارنة المعروفة .
ما لا يعد من الأدب المقارن :
1-                               الموازنات بين أدباء من آداب مختلفة ، لم يقم بينها أي ضرب من الصلات التاريخية كي يؤثر أحدهم في الآخر .
2-                                   النصوص أو الموضوعات المتصلة بالأدب و نقده لوجود بعض وجوه الشبه و التقارب بينها .
3-                                   الموازنات في نظام الأدب القومي الواحد بقطع النظر عن الصلات التاريخية .
أهمية الأدب المقارن :
·                                                                      ضروري لتاريخ الأدب , و النقد الأدبي معا ،لأنه يكشف عن مصادر التيارات الفنية و الفكرية للأدب القومي .
·                                                                        يدرس التيارات الفكرية،و الأجناس الأدبية و القضايا الإنسانية في الفنون كافة .
·                                                                       يكشف عن تأثرات الأدباء كتابا وشعراء في الأدب القومي بالآداب الأخرى العالمية .
 
ثانيا : الأدب العام : مجموعة البحوث التي تعرض للوقائع و الموضوعات المشتركة بين عدد من الآداب سواء أفي علاقاتها المتبادلة أم في انطباق بعضها على بعض  :
 -       يتناول موضوعا محددا .
-    في فترة محددة .
 -       اتساع الرقعة الجغرافية التي يغطيها .
 -       يهتم بالمتشابهات التي لا تعزى إلى أي تأثير من التأثيرات .
 -    مهمته إحصاء أكبر عدد من الوقائع الأدبية التي تمثل وجود مشابهات راسخة في بلدان مختلفة ثم يحاول تفسيرها بتأثير عوامل مشتركة .
   مثال : " الرواية العاطفية في أوروبا بتأثير ريتشارد سن و روسو
 
ثالثا : التأثر والتأثير :
التأثر :
- يكون في المرسل إليه
- مصادر التأثر : آداب أجنبية ( كتاب ، أديب ، أدب بكامله )
- أسباب التأثر :
·                    إعجاب أديب بآخر أجنبي
·                    فقر الأدب القومي في عصور انحطاطه
·                    الرغبة في التجديد
·                    الهجرات : مثال :
أ‌-               المهاجرون الشاميون في أمريكا 
ب‌-          المهاجرون الأفارقة في فرنسا
 
·                    الميل إلى التخلص من هيمنة أدب آخر :
 مثال :  أ- اتجاه بعض الأدباء العرب إلى الأدب الروسي تخلصا من هيمنة الأدب الغربي
-       التأثر المباشر وغير المباشر :
·                    التأثر المباشر مقصود يركز على ( أديب ، كتاب ، جنس أدبي ، مدرسة أدبية )
·                    التأثر غير المباشر : غير مقصود ، لا يركز على واحد مما سلف ، ومن الصعب تحديد مصادره  مثال : تأثر طه حسين بالثقافة الفرنسية
-       التأثر المضاد أو العكسي : قبول الرافد الأجنبي مع المناقشة والرد بموقف مخالف  مثال :
 أ- رد العقاد شعرا على إحدى رباعيات الخيام
 ب- تصوير شوقي " كليوبترا " سيدة وطنية في مقابل الصورة الغربية المستهترة
-       التأثر التأويلي : هو تأويل الأديب لما يقرؤه من الآداب الأخرى  مثال :
 أ- تأثر صوفية الفرس بالإسلام والقرآن
 ب- تأويل "توماس كاريل " لأعمال " غوته " بحيث لم يلحظ إلحاده بل حكمته    
-       منهج البحث في دراسة التأثر : الانطلاق من نص المتلقي اعتمادا على عامل الزمن أي أسبقية المصادر التي اعتمدها ، وعلى تصريحات المتأثر عن عناصر تكوين ثقافته
 التأثير :
 - تنبعث دراسته عن عمل واحد ، أو مجموعة أعمال لأديب واحد ، أو بلد واحد وتكشف آثاره وإشعاعاته عند الآخرين
أسباب التأثير :
 1- أصالة الأديب المؤثر وقوة إبداعه ، وبعده الإنساني
2- ابتعاد الأديب المؤثر عما هو شائع ومألوف
 3- انتشار أدب ما بين شعوب تعاني ثقافاتهم من أزمة
4- هيمنة ثقافة سائدة كثقافة المستعمر
 صور التأثير :
1- التأثير الإيجابي :
أ‌-  قد يصدر التأثير عن كتاب واحد أو أكثر لأديب بعينه مثال : التأثير الذي أحدثه عدد من الكتب المشهورة مثل " ألف ليلة وليلة " و" كليلة ودمنة " و " مقدمة ابن خلدون " و " رباعيات الخيام " و " أعمال شكسبير " و " " إليوت "
ب‌-                     تأثير جنس أدبي في أدب ما في غيره من الآداب الأخرى
  مثال :    
  * تأثير المقامات العربية في المقامات الفارسية   
   * تأثير الموشحات في الشعر الأوروبي وفي شعراء التروبادور
 2- التأثير السلبي :
 أ- التأثير الزائف الناتج عن تشويه المتأثر للأعمال التي تأثر بها 
 مثال :    
 * الترجمة الخاطئة من قبل " أنا بلاكيان " الانجليزية لأعمال الشاعر الفرنسي " بودلير " أضفت عليها صيغة الشعر الرمزي مما أوجد مدرسة رمزية في انجلترا وأمريكا  
* التأثير المجهض : جذب أديب كبير مجموعة من الأدباء المقلدين
 
رابعا : التوازي " من مصطلحات المنهج الأمريكي " :
 -   هو الكشف عن وجوه التماثل في البيئة،أو الفكرة، أو المزاج ،أو الأسلوب، بين أعمال مختلفة لا يربط بينها أي رابط من حيث الصلات التاريخية، أو علاقات التأثر و التأثير " الأكيدة " .
 -       تعريف موجز : دراسة نصين أدبيين متشابهين دون أن تكون بينهما أية علاقة فعلية .
 مثال :
 أ‌-     التشابه بين أدب الصين  و آداب أوروبا في كثير من الكتب عن الشعر و التقاليد ،و الفروسية، و الدرامية .
 ب-التشابه بين قصائد المآثر الفرنسية ،و الأغاني الشعبية الروسية .    
    عوامل التوازي :
·                    العامل الاجتماعي :
                                           i.                        يصل مجتمعان إلى مرحلة متماثلة من التطور
                                         ii.                        يواجه مجتمعان مشكلة متماثلة .
 
·                    العامل الأدبي : ينمو في مجتمعين جنس أدبي معين نموا تلقائيا يؤدي إلى تطور مماثل .
·                     العامل النفسي : العقل الإنساني له استجابة مشتركة للتجربة المشتركة
 
خامسا : المرسل : هو المنتج الأول صاحب المادة الثقافية التي يرسلها إلى المتلقي  
سادسا:   المستقبل : هو الذي يستقبل عن طريق الوسيط المادة الثقافية المنقولة فيتأثر بها، أو يحاكيها .  
سابعا:  الوسيط : حلقة الوصل المهمة بين المرسل و المستقبل ، و هو أقسام :
 أ‌-     الأشخاص : الرحالة , طلبة العلم .
 ب-الكتب : المخطوطة و المطبوعة و هي من أفضل الوسطاء
ج – انتشار اللغات: " انتشار لغة المرسل "
د- وسائل الإعلام المقروءة و المسموعة و المرئية .
ه – المراكز الثقافية الأجنبية و الأدبية .
 و – الجامعات و المدن  .
 ز – الترجمة .
ثامنا : ثقافة التقاطع :
 - ثمة تبادل لكثير من القيم عبر مختلف الحضارة الإنسانية .
- جاء هذا المفهوم رد فعل لمفهوم " المركزية الأوروبية " .
- يقضي هذا المفهوم بتوسيع آفاق الدراسات إلى كل الثقافات القديمة و الحديثة
– جميع الثقافات تشترك في ظواهر أدبية كثيرة
مثال : 
 * العثور على أشياء من الرومانسية في الأدب الصيني القديم على الرغم من عدم وجود صلة مع الأدب الأوروبي .
  الخلاصة : إن الآداب المدروسة يحسن أن تنتمي إلى لغات مختلفة , و مراحل تاريخية  مختلفة , و مناطق جغرافية مختلفة , للوصول إلى نتائج كونية ، بدلا من النتائج المحدودة الضيقة .  
 
مناهج الأدب المقارن
المنهج الفرنسي في الأدب المقارن :
 -       هو من أقدم المناهج الأوروبية وأشهرها وأقواها أثرا في الأدب المقارن .
 -   التيار التقليدي : يرى أن الأدب المقارن هو دراسة علاقات التأثر بين الأدب الفرنسي والآداب الأوروبية ، ودراسة الصلات بين الآداب القومية المختلفة دراسة تاريخية مؤيدة بالوثائق والمصادر .
  -   المتمردون على المنهج التقليدي  : من أمثال : " رينيه ايتامبل " أخذوا على التقليديين نزعة " المركزية الأوروبية " ، كما رفضوا حصر البحث المقارن في دراسة العلاقات الخارجية للأدب ، وركزوا على العلاقات الداخلية للنصوص أي الجمع بين البحث التاريخي والتأمل النقدي .  
 -       أهم مبادئ المنهج الفرنسي :
 1-     دراسة أثر الأدب الفرنسي في الآداب الأوروبية الأخرى .
 2-  دراسة الصلات بين الآداب القومية الأخرى بشرط اختلاف اللغة ، ووجود صلات تاريخية تدعم التأثر والتأثير مباشرا كان أم غير مباشر
  -       أهم ما أخذ على المنهج الفرنسي :
1-    عدم تحديد واضح لموضوع الأدب المقارن ومناهجه
2-     عدم التركيز على الأدب في الدراسة
3-     التركيز على العامل القومي
4-         الخضوع للنزعة التاريخية
5-     اشتراط اختلاف اللغة ووجوب الصلات التاريخية لإثبات التأثر والتأثير .
المنهج الأمريكي في الأدب المقارن  
 -   تعود البداية الفعلية لهذا المنهج إلى عام 1958م حين ألقى الناقد الأمريكي " رينيه ويلك " محاضرة بعنوان " أزمة الأدب المقارن " التي انتقد فيها رؤوس الجيل الأول من المنهج الفرنسي في الأدب المقارن ، وأخذ عليهم تمسكهم بمنهجية القرن التاسع عشر .
-   عرف " هنري ريماك " الأدب المقارن بقوله : هو مقارنة أدب بأدب آخر أو آداب أخرى  ، ومقارنة الأدب بمجالات التعبير الإنساني الأخرى "  
 -       أهم سمات المنهج الأمريكي :
1-  توسيع مجال الأدب المقارن بتقديم مفهوم أوسع للعلاقات الأدبية ، ومد آفاق المقارنة لتشمل العلاقة بين الأدب وأنماط التعبير الإنساني .
 2-     ملاحقة العلاقات المتشابهة بين الآداب المختلفة وفقا لمفهوم التوازي .
   -       عيوب المنهج الأمريكي :
1- عدم التفريق بين الأدب العام والأدب المقارن
2-  ازدواجية تعريف الأدب المقارن حيث يشير إلى مفهومين
3-  تورط المنهج الأمريكي في نزعة قومية لعده التراث الأدبي الغربي منطقة مميزة بذاتها ، ولا أدل على ذلك من إلغاء اختلاف اللغة كي تصح المقارنة بين الأدبين الأمريكي والإنجليزي
 الموازنة بين المنهجين الفرنسي والأمريكي :
-       وجوه الاتفاق :
1- استخدام الإجراءات نفسها في دراسة الأدب المحلي ، أو الآداب العالمية .
2- عد الترجمة من أهم قضايا الأدب المقارن
3- ضرورة وضع مصطلحات ذات دلالات ثابتة في الأدب المقارن بحيث تزول الخلافات حول قضايا مثل " العاطفة والذوق والحركة والتيار والأسلوب "
4-  التطابق في عد الآداب الغربية كلا متكاملا
 -       وجوه الافتراق :
 1-  المنهج الأمريكي يعد التأثر والتأثير مسألة غير أساسية
 2-  المنهج الفرنسي ينفي قيام علاقات حميمة  بين الأدب ووسائل التعبير الإنساني المنهج الماركسي
 
المدرسة الروسية
·        شهد النصف الثاني من القرن العشرين ظهور المنهج الماركسي ، ويرجع تأخر ظهور هذا المنهج إلى أن هذا النمط من العلم كان ممنوعا في المرحلة الستالينية .
·        يعد المقارن الروسي " فكتور جيرومتسكي " رائد هذا المنهج ومؤسسه .
·        ينطلق المقارنون في هذا المنهج من الموضوعية الماركسية التي ترى أن الواقع ( الاقتصادي والاجتماعي ) يتحكم في الإنتاج الأدبي ، ويحدد أشكاله ومضامينه .
·        يرى المقارنون في هذا المنهج أن تقارب مجتمعين في التطور أدعى لبروز وجوه من التشابه الكبير بين أدبيهما ، وإن لم تقم بينهما علاقة تأثر وتأثير.
·        يدعو هذا المنهج – كالمنهج الأمريكي – إلى عدم اشتراط التأثر في دراسة العلاقات الأدبية ، لكنه يختلف عنه في تفسير ما قد يكون من وجوه اتفاق وافتراق بين الآداب القومية